ابن الجوزي
344
زاد المسير في علم التفسير
فقال لأهله : إن بصاحبكم جنونا فأعالجه ؟ يقول قالوا : نعم ، فقال لهم : إني لا أقوى على جنيه ، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى ، فانطلقوا إليه فسألوه فدعا بتلك الكلمات ، فذهب عنه الشيطان ، وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك ، ثم يرشدهم إلى برصيصا ، فيعافون ، إلى أن انطلق إلى جارية من بنات ملوك إسرائيل ، لها ثلاثة إخوة ، فخنقها ، ثم جاء إليهم في صورة متطبب ، فقال : أعالجها ؟ قالوا : نعم . قال : إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ، ولكن سأرشدكم إلى رجل تدعونها عنده ، فإذا جاء شيطانها دعا لها ، قالوا : ومن هو ؟ قال : بريصصا ، قالوا : وكيف لنا أن يقبلها منا ، وهو أعظم شأنا من ذلك ؟ ! قال : إن قبلها ، وإلا [ فضعوها ] في صومعته ، وقولوا له : هي أمانة عندك ، فانطلقوا اليه ، فأبى عليهم ، فوضعوها عنده . وفي بعض الروايات أنه قال : ضعوها في ذلك الغار ، وهو غار إلى جنب صومعته ، فوضعوها ، فجاء الشيطان فقال له : انزل إليها فامسحها لأن بيدك تعافى ، وتنصرف إلى أهلها ، فنزل ، فلما دنا إلى باب الغار دخل الشيطان فيها ، فإذا هي ترتكض ، فسقطت عنها ثيابها ، فنظر العابد إلى شيء لم ير مثله حسنا وجمالا ، فلم يتمالك أن وقع عليها ، وضرب على أذنه ، فجعل يختلف إليها إلى أن حملت ، فقال له الشيطان : ويحك يا برصيصا قد افتضحت ، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب ؟ ! فإن سألوك عنها قلت : [ جاء ] شيطانها ، فذهب بها ، فلم يزل بها حتى قتلها ، ودفنها ، ثم رجع إلى صومعته ، فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يسألون عنها ، فقالوا : يا برصيصا ! ما فعلت أختنا ؟ : قد جاء شيطانها فذهب بها ، ولم أطقه ، فصدقوه ، وانصرفوا . وفي بعض الروايات أنه قال : دعوت لها ، فعافاها الله ، ورجعت إليكم ، فتفرقوا ينظرون لها أثرا ، فلما أمسوا جاء الشيطان إلى كبيرهم في منامه ، فقال : ويحك : إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا ، وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا ، فقال : هذا حلم ، وبرصيصا خير من ذلك ، فتتابع عليه ثلاث ليال ، وهو لا يكترث ، فانطلق إلى الأوسط كذلك ، ثم